الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
451
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بأداء ما هو الواجب إذ الاكتفاء بمجرد احتمال الأداء تفويت المصلحة المترتبة عليه إذ الاحتمال فيه يطابق الواقع وقد لا يطابقه من غير فرق بين ما يكون المصلحة عائدة إلى الأمر أو المأمور كيف وقد أقر به في الصورة الثانية وقد مثله الغسل الوجه واليدين ومسح الرأس وستر العورة ومع أنه ليس مما يتوقف عليه أداء الواجب ثانيها أن الدليل على وجوب المقدمة ليس منحصرا في المذكور فلو سلم عدم جريانه في المقام كان ما ذكرناه من حكم العقل بلزوم التحرز عند خوف الضرر كافيا في المقام ومجرد تجويز اكتفاء الشارع بأحد الأمرين لا يوجب زوال الخوف وهو ظاهر ثالثها أنه مع الغض عما ذكرناه أي فارق بين ما إذا دار نفس التكليف بين شيئين أو وقع هناك شك في الموضوع إذ كما يحتمل اكتفاء الشرع هناك بأحد الأمرين يحتمل في المقام وتعين نفس المكلف به في الثاني لا يقضي بوجوب الجميع إذ الاكتفاء المذكور إنما هو بحسب ظاهر التكليف في المقامين فلا يمكن الحكم في الأول بكون أحد الأمرين هو عين الواجب بحسب الواقع فغاية ما يقضي به الاحتمال المذكور هو الاكتفاء به في الظاهر وهو جار في المقامين ولو تمسك فيه باستصحاب الشغل جرى في الأول أيضا إذ مع الإتيان بأحد الأمرين لا يحصل اليقين بالفراغ رابعها أن ما ذكره من الفرق بين الشاهد والغائب غير واضح إذ من الواضح أن الغرض من ذلك عدم ثبوت المصلحة سواء كانت عائدة إلى المكلف أو المكلف بل ربما كان الثاني أقبح إذ ملاحظة حال النفس في ذلك أكد حجة القائل بإجراء الأصل في المجملات وجوه الأول أن المناط في حجية أصالة البراءة وجواز الرجوع إليه في نفي التكاليف الشرعية حاصل في ذلك من غير تفاوت فما قضى بحجيتها في التكاليف المستقلة قاض بها في المقام وذلك لأن المجوز في العمل بالأصل المذكور في سائر المقامات هو انسداد باب العلم مع بقاء التكليف بالضرورة وقبح التكليف بما لا يطاق فإن المقدمات المذكورة قد جوزت لنا العمل بالظن في الأحكام الشرعية بعد التفحص والتجسس من الأدلة وحصول الظن بسبب رجحان الدليل على المعارضات أو بسبب أصالة عدم معارض آخر ومن البين أن ذلك كما يجري في نفس الأحكام الشرعية كذلك يجري في ماهية العبادات في الجملة وكما أنه لا يجوز الأخذ بالظن في نفس الأحكام الشرعية قبل بذل الوسع في ملاحظة الأدلة والتفحص والتفتيش عن كيفيات الدلالة وتحصيل ما هو أقوى الظنون الممكنة كذلك الحال في المقام وكما أنه يجوز الأخذ بالأصل وهناك بعد الملاحظة المذكورة فكذا في المقام من غير تفاوت أصلا وما قد يقال من أن العلم باشتغال الذمة بالعبادة المجملة في المقام قاطع لأصالة البراءة وأصل العدم السابق فيكون الأصل فيه بقاء الشغل حتى يثبت الفراغ فهو منقوض بالأحكام المستقلة فإن اشتغال الذمة بتحصيل حقيقة كل واحد من الأحكام الذي علم إجمالا بالضرورة من الدين قاطع لذلك وثبوت حكم إجمالي بخصوص كل مسألة من تلك المسائل رافع لحكم الأصل للعلم بثبوت ذلك الحكم وكما أنه بعد التفحص عن الأدلة وبذل الوسع في ملاحظة الضوابط الشرعية يرجع في الثاني إلى أصالة البراءة لما عرفت من قضاء المقدمات المذكورة بالرجوع إلى الظن بعد انسداد طريق العلم فكذا في الأول لجريان المقدمات المذكورة فيها بعينها فإذا حصل لنا من جهة الأخبار والإجماعات المنقولة أو المحصّلة الحاصلة من ملاحظة حال السلف أن ماهية الصلاة لا بد فيها من النية والتكبير والقراءة والركوع والسجود وغيرها من الأجزاء المعلومة وشككنا في وجوب السورة وتعارضت فيه الأدلة وتعادلت أو لم يقم هناك دليل على الوجوب بعد بذل الوسع وبقي عندنا احتمال الوجوب خاليا عن الدليل بحسب الظاهر متوقفا على قيام دليل غير واصل إلينا فحينئذ يصح لنا نفيه بأصل البراءة وأصالة عدم الوجوب فإنه يفيد وجوب الظن بالعدم ويحصل من مجموع المذكورات الظن بأن ماهية العبادة وهو ما ذكرنا لا غيرها الثاني من الأدلة على حجية أصالة البراءة هو استصحاب البراءة القديمة وهو بعينه جاز في المقام إذ من البين أن التكليف بشيء ذي أجزاء تكليف في الحقيقة بأجزائه وإيجاب لها فإذا قال صل وكانت الصلاة مركبة من عشرين جزءا كان ذلك تكليفا وإيجابا للإتيان بتلك الأجزاء وإلزاما للمكلف بفعلها فنقول إذا تعلق التكليف بمجمل وحصلنا بعد الفحص عن أجزائه وشرائطه عدة أمور ولم نجد في الأدلة ما يفيد اعتبار غيرها فإن لنا أن نقول إنه قد تعلق التكليف بتلك الأجزاء يقينا وقد حصل الشك في تعلقه بما يزيد عليها وقضية استصحاب البراءة السابقة البقاء على البراءة بالنسبة إلى تلك الزيادة فلا يخرج عن مقتضى البراءة القديمة إلا بمقدار ما حصل من العلم بالتكليف فالاستصحاب المذكور دليل شرعي على نفي غيرها من الأجزاء والشرائط فيكون إثبات كل من الأجزاء والشرائط ونفيه حاصلا من دليل شرعي والقول بأنه مع تعلق التكليف بالمجمل والشك في حصوله يستصحب الشغل حتى يتبين الفراغ مدفوع بأنه لا يقين بالاشتغال بما يزيد على الأجزاء والشرائط المعلومة وما يقال من أن ذلك إنما يتم مع عدم ارتباط بعض الأجزاء بالبعض وأما معه فلا يقين بالاشتغال بخصوص المعلوم لاحتمال تعلقه بالمجموع المركب منها ومن غيرها وبعبارة أخرى العلم بحصول التكليف بها بشرط شيء لا يقضي بالعلم بالتكليف بها بشرط لا كما هو المفروض مدفوع بأنه إذا تعلق التكليف بالمجموع المركب فقد تعلق بالأجزاء المذكورة ضرورة أن التكليف بالمركب تكليف بأجزائه فإذا اندفع التكليف بالزائد من جهة الأصل تعين المعلوم لتعلق التكليف وما يتوهم من أن تعلق التكليف به الخصوصية مخالف للأصل أيضا بين الاندفاع للعلم بتعلق التكليف به في الجملة قطعا غاية الأمر حصول الشك في انضمام الغير إليه وعدمه يمنع نفي الغير بالأصل ينحصر الأمر في التكليف به وهو من لوازم النفي المذكور ومرجعه إلى أمر عدمي ومع الغض عنه فنقول إن وجوب الإتيان بالأجزاء والشرائط المعلومة مما لا خلاف فيه بين الفريقين إنما الكلام في وجوب الإتيان بالمشكوك فيه وعدمه والقائل بوجوب الاحتياط يقول به ونحن ننفيه بالأصل المذكور الثالث قد بينا أن الأصل فراغ الذمة والحكم ببراءتها حتى يتبين الاشتغال فما لم يحصل العلم أو الظن المعتبر بحصول الشغل لم يحكم به وكذا بعد حصول العلم بالشغل لا يحكم بالبراءة ما لم يتبين الفراغ فنقول في المقام إن القدر الثابت عندنا في التكاليف المتعلقة بالمجملات